تدوينات مازحة اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي داعية إلى إحقاق المساواة بخروج " رجل" في تقنية البث المباشر يخفف وطأة العزلة المنزلية المفروضة على الجميع زمن الكورونا في وقت أطلّت فيه " إمرأة" من نفس النافذة تسلّي الصف الأوّل من جمهورها أي الرجال.
ومع تواتر التعليقات المصاحبة لهذه التدوينات، ظهر اسم الراقص رشدي بلقاسمي الذي لم يلبث كثيرا حتّى يعلن عن موعده ظهوره في بث مباشر على صفحته الرسمية بالفايسبوك مع تمام الساعة الثامنة، أي ساعة قبل موعد وصلة " الراقصة" نرمين صفر.
وبإعلان رشدي بلقاسمي انخراطه في حملة " شدّ دارك" وزاده فن الرقص الشعبي الذي نهل أسسه من منابع لا تجف، يكون جمهور مهرجان " شدّ درك" أمام عرضين راقصين أحدهم "أنثوي" والآخر "ذكوري"، عرضين تتجلّى فيهما إشكالية الجسد الراقص عموما وتمثّل الآخر (ذكر/ أنثى) له.
وإن كان الجسد الأنثوي هو الذي يخلق إشكالات اجتماعية وثقافية في العموم، فإنّ الجسد الذكوري هو الذي يستأثر بها في علاقة بالرقص، إذ مازال السواد الأعظم يستبطن نظرة ذكورية تحتكر الرقص للجسد الأنثوي.
والحديث عن رقص رشدي بلقاسمي ونرمين صفر ليس من باب المقارنة بينهما فالأمر لا يستقيم منطقيّا، فالأوّل باحث في مجاله ممسك بزمام الفن الذي اصطفاه من بين كل الفنون ومتمكّنا منه في جوانبه النظرية والتطبيقية والثانية تمارس "رقصا رعوانيا" بلا أسس.
لكن الأمر يتعلّق بتلقيّ الجمهور للجسد الراقص وتمثلاته للجسد الأنثوي والذكوري بعيدا عن التقييمات الأكاديمية والفنّية، ومقارنة بسيطة بين عدد المتابعين لعرض رشدي بلقاسمي وعرض نرمين صفر من شأنها أن تكشف عن أنّ الجسد الراقص الأنثوي يحظى بإقبال أكثر من الجسد الراقص الذكوري.
ستة وأربعون ألف متابع لرشدي بلقاسمي مقابل مائة وعشرين ألف متابع لنرمين صفر، الأمر الذي يقلب المعادلة ويجعل جسد الأنثى مهيمنا في علاقة بالرقص على الأقل في مخيال بعض من المجتمع، وإن كانت حركاتها وخطواتها عارية من الرقص كفنّ.
وكثيرة هي التاويلات التي رافقت الجسدين الراقصين زمن الكورونا، وإن كان الجسد الذكوري ماضيا في كسر الصور النمطية وهدم الحدود الجنسانية التي صنعتها المجتمعات فإن الجسد الأنثوي حصر نفسه في الصورة والشكل ووظف نفسه بنفسه حتّى كاد يكون "شيئا".
وإن تحدّت نرمين صفر في الظاهر "العنف الرمزي" وتجاوزت بعض الحدود المحيطة بجسد المرأة وتفاصيله ولباسه وحضوره في الفضاء العام بالشكل الذي تراه مناسب، لكنّها في الباطن "تعرض" ما يريده الذكور وتمارس "عنفا رمزيا' بنفسها على نفسها.
وفي فيديوهاتها المباشرة، تتبنّى صفر التصوّر الإباحي لجسد المرأة بما هو اختراع ذكوري، وهي تجيد استخدام جسدها الأنثوي الجميل لتظهر بصورة المرأة المغرية والفاتنة والمستثيرة للرغبات، أي الصورة التي يهواها الرجل، فيما وظّف رشدي بلقاسمي جسده ليعكس جزءا من فكره وإبداعه ولم يكتف بالرقص الذي يتقن تفاصيله نظريا وتطبيقيا.
فبلقاسمي لم يحرّك جسده فحسب بل قدّم لمتابعيه درسا نظريا عن خطوات الرقص التونسي كما أنّه أعلى راية الأغنية التونسية، فكان رقصه حمّل إفادة ورسائل أوّلها خلفية الفيديو وهي عبارة عن مكتبة تضم في رفوفها كتبا كقيرة وكأن به يقول "لا جسد دون فكر".
"شبابة" و"دزيتيني هاني جيتك" و"بنت الحي" و"على الحولي بوزيقة" و"غير قولولها" و"ليلة والمزود خدام" أغان تونسية اختارها رشدي بلقاسمي ليراقص على إيقاعها جمهوره ويسافر به بين خطوات الفزاني القرقني والفزاني البدوي ووالغيطة.
وإن كانت نرمين صفر تعتمد في فيديوهاتها في أوّل ظهورها في البث المباشر أغان مصرية تحظى بنسب استماع عالية، فإنّها لجأت إلى المدوّنة التونسية اقتداء برشدي بلقاسمي وتمايلت على "يا ببح" و"كيف شبحت خيالك" و"ليلة والمزود خدّام".
ورغم ما قيل وما لم يقل، يظلّ الرقص تعبيرا يتماهى فيه الفكر مع الجسد فتنبت للروح أجنحة تسمو بها إلى الأعلى ولكنه أيضا يوقع صاحبه في الحضيض إذ هو وظّف جسده وحوّله إلى شيء مادي يسمح للآخر يتقييمه "أخلاقيا" بعيدا عن قداسة الجسد ومعانيه الفنية.
الجمعة، 20 مارس 2020
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
المشاركات الشائعة
-
أدلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر ، بتصريحات مدوية وخطيرة، وذلك بعدما ابتلعه صمت طويل حتى كاد الناس ينسون وجوده. ...
-
وردنا منذ قليل من احد مصادرنا أن الفيديو اللذي تم تصويره أمس بخصوص حالتان بشارع 5 أوت أمس الاربعاء 25 مارس هما مؤكدتان، و تدور الشكوك ...
-
بــــــلاغ توقيا من عدوى انتشار فيروس كورونا المستجد بين صفوف الأهالي والمواطنين، إن والي صفاقس بعد اطلاعه علي: - الأمر...
-
أكد الدكتور فراس بن شويخة، ناظر قسم العلوم الوبائية بمستشفى فرحات حشاد بسوسة، اليوم الخميس، في تصريح لموزاييك، تسجيل ثاني حالة شفاء من...
-
تحدثت بعض المصادر الاخبارية عن انتشار كثيف لبعوض “الاشمنيوز” السامة القاتلة بمنطقة نقشة من ولاية الوادي والمتاخمة للحدود التونسية على ...

0 comments
إرسال تعليق